تسعى المنشآت دائماً إلى إحداث تغيير في سياستها بما يحقق انتقالها من الوضع القائم إلى الوضع الذي تسعى أن تكون فيه مستقبلاً، وهذا الانتقال يتطلب غالباً اتخاذ إجراءات إدارية. وقد جرت العادة على أن اتخاذ هذه الإجراءات يتم بعد مرحلة قياس وتقييم، هذا وتعتبر المقدرة على قياس وتقييم شيء إحدى مؤشرات القدرة على إدارته.
وبدراسة تاريخ التطور الإداري نجد أنه في بدايات القرن العشرين كان التركيز واضحاً على التطوير من خلال زيادة فاعلية الكادر البشري العامل، فظهرت على سبيل المثال دراسات توضح كيف أن الإنتاجية تزداد مع زيادة قوة وجود الإضاءة في المصانع، إلا أن هذا الأمر لم يدم طويلاً .
وأظهرت تجارب أخرى أن الإنتاجية لا علاقة لها بقوة الضوء وأن زيادة الإنتاج كانت فقط بسبب أن القوى العاملة كانت تعلم أنها تخضع لاختبار قياس الإنتاج الأمر الذي غير من تصرفاتهم باتجاه زيادة الإنتاج نظراً لشعورهم بأنهم تحت المراقبة والاختبار .
ثم بعد ذلك وفي سنوات الستينات والسبعينات والثمانينات بدأت مرحلة قياس التطور من خلال التحليل المالي ودراسة المؤشرات والنسب المالية، إلا أن هذه النسب والمؤشرات كانت تعتمد على بيانات وقعت في الماضي الأمر الذي يصفه البروفسور روبرت كابلان بأنه كمن يقود سفينته وهو ينظر إلى مؤخرتها بدلاً من النظر إلى مقدمتها وفي بدايات التسعينات ظهر أسلوب جديد في تقييم الأداء وهو ما يعرف باسم بطاقة الأداء المتوازن (Blances Sore Card) وهو أسلوب يأخذ بعين الاعتبار التوازن بين النتائج المالية والمحرك الذي يدفع النمو، التوازن بين الأجل القصير والأجل الطويل، التوازن بين التكتيك والإستراتيجية. ففي العام 1996 قدم لنا كابلان ونورتن بطاقة الأداء المتوازن ذات الأبعاد الأربعة: البعد المالي وبعد العمليات الداخلية وبعد العاملين وبعد الزبائن العملاء.
وتترابط هذه الأبعاد فيما بينها كما يظهر في الشكل رقم (1).

شكل رقم (1) بطاقة الأداء المتوازن رؤية واستراتيجية
ومن الضروري ربط هذه البطاقة برؤية المنظمة واستراتيجيتها ووحدات العمل الاستراتيجية منها وبناء هذه البطاقة بحيث تصمم نظام الحوافز والترقيات حيث تعطي نسبة مؤوية لكل معيار من المعايير المستخدمة وهي :
المعايير المالية :
- العائد على الاستثمار / القيمة الاقتصادية المضافة
- الربحية
- معدل نمو العائد
- تخفيض التكاليف
المعايير المرتبطة بالعملاء :
- الحصة في السوق
- الاستحواذ على عملاء جدد
- مدى الاحتفاظ بالعملاء الحاليين
- ربحية العملاء
- درجة رضا العملاء
المعايير المرتبطة بالعمليات الداخلية :
- ابتكار عمليات جديدة في تصميم وتطوير المنتج.
- ابتكار عمليات الإنتاج والتسويق والبيع وخدمة ما بعد البيع.
المعايير المرتبطة بالعاملين :
- درجة رضا العاملين.
- درجة الاحتفاظ بالعاملين.
- إنتاجية العاملين .
وقد قدم كابلان ونورتون مثالاً لبطاقة الأداء لأحد البنوك كما تظهر في الشكل التالي :

شكل رقم (2) بطاقة تقييم الأداء لأحد البنوك
وفيما يلي قائمة بالأهداف الجزئية ومقاييسها لأحد البنوك كما يعرضها كابلان ونورتون .
هذا ويؤدي استخدام بطاقة الأداء المتوازن إلى تحقيق المميزات التالية :
1- تمكين الإدارة من تحديد ووضع الأهداف الاستراتيجية بكل وضوح.
|
|
الأهداف الجزئية |
المقاييس |
|
الأهداف المالية |
1- تحسين العائد
2- توسيع مزيج العملاء
3- تخفيض التكاليف |
العائد على الاستثمار
نمو العائد
التغير في تكلفة الودائع |
|
أهداف مرتبطة بالعملاء |
- زيادة رضا العملاء
- زيادة الرضا عن خدمة ما بع البيع |
زيادة الحصة السوقية
الاحتفاظ بالعملاء |
|
أهداف مرتبطة بالعمليات الداخلية |
1- فهم العملاء
2- ابتكار منتجات جديدة
3- تحويل العملاء لقنوات أقل تكلفة
4- تخفيض المشكلات لأدنى حد
5- الاستجابة السريعة |
- إيرادات عن منتجات جديدة
- معدل بيع المنتجات الجديدة / عدد العملاء الحاليين.
- التغير في مزيج قنوات التوزيع .
- معدل أخطاء الخدمات.
- المعدل الزمني للاستجابة. |
|
أهداف مرتبطة بالعاملين |
- تنمية المهارات
- توفير معلومات استراتيجية
- توجيه الأهداف الشخصية وربطها بالهدف الأساسي للبنك |
- رضا العاملين
- العائد لكل موظف |
2- المساهمة في توحيد الأهداف التجارية لكل شركة من الشركات.
3- ربط أهداف الشركات بنظام الحوافز.
4- كل عنصر من عناصر البطاقة يمثل حلقة في سلسلة "السبب والأثر" والتي في نهاية كل منها يمكن تحقيق هدف من الأهداف والتي تنتهي بتحقيق الأهداف المالية.
5- وجود خطة واضحة لتحقيق الأهداف سواء الاستراتيجية أو التكتيكية يمثل ميزة تنافسية تسهل عملية إعداد الموازنة السنوية.
6- وجود بطاقة أداء متوازن تمثل حلقة متواصلة من الفهم والإدراك وتطبيق قواعد تعمل على تحقيق الأهداف الاستراتيجية وتراقب عملية تطبيقها.
أما على أرض الواقع فقد أشارت إحدى الدراسات (2) إلى أن ما يقارب 60% من الشركات الأمريكية الرئيسية قد بدأت بطريقة أو بأخرى من تطبيق أسلوب بطاقة الأداء المتوازن وأن هذا العدد في ازدياد سواء في الولايات المتحدة أو دول الإتحاد الأوروبي.
ولعل الإقبال الشديد على تطبيق أسلوب بطاقة الأداء المتوازن هو ما نشرته مجلة فورتونا في عددها رقم 46 من أن كل عشرة شركات لديها استراتيجية واضحة ومحددة تفشل في تطبيق هذه الاستراتيجية الأمر الذي يعني أن المشكلة لا تكمن في وجود أو عدم وجو استراتيجية واضحة ولكنها تكمن في مقدرة الشركات على تطبيق هذه الاستراتيجيات وهو الأمر الذي تساهم بطاقة الأداء المتوازن في التغلب عليه، ولعل ميزة بطاقة الأداء المتوازن لا تكمن في المعايير الفردية التي يتم قياسها ولكن في توفير وتوضيح العلاقة بينها ومدى مساهمة ذلك في تحقيق استراتيجية المنشأة.
كما أشارت دراسة قام بها مجموعة من الباحثين الأسبان إلى وجود علاقة قوية بين إتباع أسلوب بطاقة الأداء المتوازن ودرجة النمو في شركات مقاطعة كتالونيا بشرق أسبانيا .
ومن أجل نجاح عملية تطبيق أسلوب بطاقة الأداء المتوازن لابد من :
- وجود عملية تحليل يسبق عملية وضع الاستراتيجية وتحديد علاقة السبب والأثر.
- ضرورة الأخذ بعين الاعتبار البيئة المحيطة بالمشروع مع تفعيل البدء بالمشروع بعملية عينة اختبارية تم توسيعها شيئاً فشيئاً.
- الأخذ بعين الاعتبار التطورات التكنولوجية ودمجها مع واقع الشركات والبعد عن الحلول الانفرادية.
- التركيز على المحتوى قبل الصفات التقنية.
- في الختام يمكن القول بأن أسلوب بطاقة الأداء المتوازن هو أسلوب حديث ومتكامل يساهم في دمج التصور المالي مع عوامل السوق والتشغيل والإنتاج والموارد البشرية من أجل ضمان تحقيق الاستراتيجيات المحددة والرقابة عليها بما يكفل تحقيق الأهداف المرسومة وتقييم الأداء وتطويره في ضوء تلك الأهداف.
المرجع :
مقال للدكتور : د. عصام البحيصي ، مدير وحدة البحوث و الدراسات التجارية. الجامعة الإسلامية - غزة