رقم المصدر 21
 المصدر كتاب شركات أنشئت لتبقى: العادات الناجحة للشركات بعيدة النظر
المؤلف جيم كولينز Jim Collins   الناشر : شركة كلمات عربية   سنة النشر : 2010م
مكان النشر القاهرة - مصر رقم الطبعة : الاولى    عدد الصفحات  : 250
معلومات عن المصدر

«ليس هذا كتابًا عن المديرين بعيدي النظر ذوي الشخصيات المؤثرة، ولا عن رؤى مستقبلية لمنتجات جديدة، ولا عن أفكار مستقبلية للسوق، ولا عن تبني رؤية مؤسسيَّة. إنه كتاب يتناول أمرًا أكثر خطورة وأهمية، إنه كتاب عن الشركات بعيدة النظر.» هكذا كتب جيم كولينز Jim Collins وجيري بوراس Jerry Porras في هذا الكتاب الرائد الذي يهدم الخرافات، ويقدم أفكارًا جديدة، ويوفر دليلًا عمليًّا لمن يتطلعون إلى إنشاء شركات كبرى تحتفظ بمكانتها على مر الزمن.

 

ما الذي تتميز به شركات مثل: جنرال إليكتريك General Electric وثري إم 3M وميرك Merck و وول مارت Wal-Mart وهيوليت باكارد Hewlett-Packard ووالت ديزني Walt Disney وفيليب موريس Philip Morris عن منافسيها؟ كيف استطاعت شركة مثل بروكتر آند جامبل Proctor & Gamble — التي بدأت مسيرتها متأخرة بصورة ملحوظة عن منافستها شركة كولجيت Colgate — أن تصبح في النهاية الشركة الأولى في مجالها؟ كيف تحولت شركة موتورولا Motorola من مشروع متواضع لإصلاح البطاريات إلى تكنولوجيا الدوائر المتكاملة والهواتف النقالة، في حين ظل نشاط شركة زينيث Zenith مقتصرًا على أجهزة التليفزيون؟ كيف أزاحت بوينج Boeing مكدونيل دوجلاس McDonnell Douglas واحتلت موقع الصدارة كأفضل شركة لإنتاج الطائرات التجارية؟ ما الذي تميزت به شركة بوينج عن مكدونيل دوجلاس؟

 

بالإجابة عن هذا الأسئلة يتجاوز كولينز وبوراس الحاجز الأبدي للغة اليوم المليئة بالمصطلحات المعقدة العسيرة على الأفهام لاكتشاف صفات لا تقدر بثمن تتميز بها الشركات البارزة، ويقدمان أيضًا للمديرين ومنظمي المشروعات مصدرًا للإلهام بتحطيم المبدأ الخاطئ — الذي يحظي مع ذلك بقبول واسع — أن المديرين بعيدي النظر ذوي الشخصيات المؤثرة هم وحدهم القادرون على إنشاء شركات ناجحة.

 

يحفل كتاب شركات أنشئت لتبقى بمئات الأمثلة المفصلة التي تنتظم في إطار مترابط من المفاهيم العملية التي يستطيع المديرون ومنظمو المشروعات تطبيقها على كافة المستويات، وبذلك يقدم الكتاب برنامج عمل متقنًا لإنشاء شركات تزدهر طويلًا في القرن الحادي والعشرين وما بعده.

 

وفيما يلي عرض موجز لما ورد في الكتاب :

 

شركات على القمة

قال ويليام آر هيوليت William R. Hewlett، أحد مؤسسي شركة هيوليت-باكارد Hewlett-Packard Company، عام ١٩٩٠:

 


«عندما أفكر في حياتي العملية أشعر بالفخر الشديد لما لعبتُه من دور في إنشاء شركة لها عظيم الأثر في تشكيل سياسات إدارة الشركات حول العالم، وذلك بفضل قيمها وممارساتها ونجاحها. وعلى وجه التحديد، أشعر بالفخر لأنني سأترك بعد رحيلي منظمة متطورة قادرة على أن تكون بمنزلة المثل الأعلى للشركات الأخرى.»

 

صرح جون جي سمال John G. Smale، الرئيس التنفيذي السابق لشركة بروكتر آند جامبل Procter & Gamble، في إطار الاحتفالية التي أقيمت عام ١٩٨٦ بمناسبة مرور ١٥٠ عامًا على تأسيس الشركة، قائلًا:

 


«لا بد أن نسعى جاهدين للحفاظ على ازدهار الشركة ونمائها على المستوى الفعلي والمؤسسي على حد سواء، لكي تتمكن من البقاء ١٥٠ عامًا أخرى، بل لكي تستمر على مدار العصور.»

 

لا يدور هذا الكتاب عن القادة المؤثرين بعيدي النظر، ولا يتحدث أيضًا عن المفاهيم الإنتاجية أو الرؤى التسويقية بعيدة النظر، أو عن تبني رؤية خاصة في الشركات فقط، بل يتحدث هذا الكتاب عن شيء أكثر واقعية وأهمية وبقاء، فهذا كتاب عن «الشركات ذات الاستراتيجيات بعيدة النظر».

 

يقصد بالشركات ذات الاستراتيجيات بعيدة النظر الشركات الرائدة التي تعد درة التاج في مجالها، وتحوز إعجاب واستحسان نظيراتها في العالم، وتتمتع أيضًا بسجل حافل بالإنجازات التي أثرت في العالم من حولها، والنقطة الأساسية هنا أن هذه الشركات «منظمات» أو مؤسسات بكل ما تحمله الكلمة من معنى. لا شك أن مصير قادة الشركات «جميعهم»، مهما كانوا مؤثرين أو ذوي رؤية ثاقبة، الموت والفناء في نهاية المطاف، كذلك تصبح المنتجات والخدمات و«الأفكار العظيمة كلها» عتيقة الطراز بمرور الزمن، ولا شك أن أسواقًا بكاملها تتلاشى بمرور الزمن أيضًا، إلا أن «الشركات» ذات الاستراتيجيات بعيدة النظر تزدهر على مر الزمن، عبر دورات حياة متعددة للمنتجات وأجيال عديدة من القادة الأكفاء.

 

توقف لحظة وكون في ذهنك قائمة بالشركات ذات الاستراتيجيات بعيدة النظر، حاول أن تفكر في خمس أو عشر شركات تفي بالمعايير الآتية:

 

•رائدة في مجالها
•تلقى استحسان رجال الأعمال واسعي الاطلاع
•تركت أثرًا لا يمحى في عالمنا المعاصر
•تولى إدارتها أجيال عديدة من الرؤساء التنفيذيين
•مرت بدورات حياة عديدة للمنتج «أو الخدمة»
•تأسست قبل عام ١٩٥٠ (استُخدم عام ١٩٥٠ كحد أقصى لتاريخ إنشاء الشركة، يمكنك أنت أيضًا أن تجعل الحد الأدنى لعمر الشركة ٥٠ عامًا.)

 

والآن افحص قائمة الشركات التي وضعتها، ما الذي يعجبك في هذه الشركات؟ هل تلاحظ أفكارًا رئيسية مشتركة بينها؟ ما أسباب ازدهار هذه الشركات وجودة الخدمات التي تقدمها؟ إلى أي مدى تختلف هذه الشركات عن نظيراتها التي أتيحت لها الفرص نفسها لكنها لم ترق إلى نفس المكانة؟

 

سعينا من خلال مشروع بحثي استغرق ستة أعوام إلى التعرف على التطور التاريخي لمجموعة من الشركات ذات الاستراتيجيات بعيدة النظر ودراسته دراسة منهجية بهدف تحديد أسباب اختلافها عن مجموعة ضابطة من الشركات المختارة بعناية، ومن ثَم اكتشاف العوامل التي أدت إلى تبوئها مكانة مرموقة مدة طويلة من الزمن. يستعرض هذا الكتاب النتائج التي توصلنا إليها في مشروعنا البحثي والآثار العملية المترتبة عليها.

 

نود في البداية أن نوضح أن «الشركات المناظرة» التي وقع الاختيار عليها ليست شركات متدنية المستوى ولا تعد شركات «غير استراتيجية بالمرة»، بل هي شركات ذات مستوى جيد، فعمرها في معظم الأحوال يساوي عمر الشركات ذات الاستراتيجيات بعيدة النظر، فضلًا عن تفوقها في البورصة العامة كما سنرى، إلا أنها لم تصل إلى المنزلة الرفيعة التي احتلتها الشركات الاستراتيجية. وعمومًا يمكنك النظر إلى الشركات ذات الاستراتيجيات بعيدة النظر باعتبارها الفائز بالميدالية الذهبية، وإلى الشركات المناظرة باعتبارها الفائز بالميدالية الفضية أو البرونزية.

 

تجدر الإشارة إلى أننا فضلنا وصف الشركات بأنها «ذات استراتيجيات بعيدة النظر» ولم نكتف باستخدام وصف «ناجحة» أو «خالدة» لنوضح أن تلك الشركات قد حققت تفوقًا استثنائيًّا واحتلت مكانها ضمن صفوة الشركات والمؤسسات، فقد «تخطت» حدود النجاح والخلود. غالبًا ما تمثل الشركات ذات الاستراتيجيات بعيدة النظر صفوة الشركات في مجالها وتتربع على عرشها لعقود عديدة، كما قدم الكثير منها مُثُلًا عُليا ورموزًا حقيقية يُحتذى بها في فن الإدارة حول العالم. (يضم الجدول ١-١ الشركات التي تشملها الدراسة، ونود الإشارة إلى أن الشركات محل الدراسة لا تمثل جميع الشركات ذات الاستراتيجيات بعيدة النظر في العالم، وسوف نشرح في الصفحات القليلة القادمة سبب اختيارنا لهذه الشركات على وجه التحديد.)

 

 

مع أن الشركات ذات الاستراتيجيات بعيدة النظر تعد شركات استثنائية، فإن سجلاتها لا تخلو من الأخطاء والإخفاقات. (افحص قائمتك الخاصة بالشركات ذات الاستراتيجيات بعيدة النظر، وستجد أن معظم هذه الشركات — إن لم يكن جميعها — قد تعرضت لعثرات خطيرة مرة واحدة على الأقل على مدار تاريخها، وعلى الأرجح عدة مرات). على سبيل المثال واجهت شركة والت ديزني أزمة شديدة في السيولة النقدية عام ١٩٣٩ أرغمتها على طرح أسهمها في سوق الأسهم، وفيما بعد في أوائل الثمانينيات كادت الشركة تفقد وجودها ككيان مستقل عندما أصبحت مطمع المستثمرين المترصدين بالشركات المتعثرة بسبب انهيار أسعار أسهمها في البورصة. وبالمثل تعرضت شركت بوينج لعثرات خطيرة في المدة من منتصف الثلاثينيات حتى أواخر الأربعينيات ثم في أوائل السبعينيات عندما اضطرت إلى تسريح ما يزيد عن ستين ألف موظف. وبدأت شركة ثري إم مشوارها كشركة تعدين تعتمد على منجم ناضب وكادت تختفي من خريطة الشركات في أوائل القرن المنصرم. أضف إلى ذلك أن شركة هيوليت-باكارد واجهت عام ١٩٤٥ انخفاضًا حادًّا في الميزانية، وشهدت عام ١٩٩٠ انخفاضًا ملحوظًا في سعر أسهمها وصل إلى أقل من القيمة الدفترية. ولاقت المنتجات التي طرحتها شركة سوني فشلًا شديدًا أثناء الأعوام الخمس الأولى من إنشائها (١٩٤٥–١٩٥٠)، وفي السبعينيات شهدت إخفاق نظام بيتا الذي ابتكرته في مواجهة نظام VHS في معركة السيطرة على سوق أجهزة الفيديو. وفي أوائل الثمانينيات، سجلت شركة فورد أكبر خسائر مالية سنوية في تاريخ عالم الأعمال الأمريكي (٣,٣ مليار دولار أمريكي في ثلاثة أعوام)، وذلك قبل أن تبدأ طفرة مذهلة وعملية إعادة إحياء طال انتظارها. كذلك تعرض بنك سيتيكورب Citicorp (الذي تأسس عام ١٨١٢ وهو العام الذي زحف فيه نابليون على موسكو) لأزمات عدة؛ أولها في أواخر القرن التاسع عشر، وأثناء الكساد الاقتصادي في الثلاثينيات، ثم في أواخر الثمانينيات عندما عانى تراكم القروض العالمية عليه، كذلك كادت شركة آي بي إم أن تُشهر إفلاسها عامي ١٩١٤ و١٩٢١، هذا إلى جانب الأزمة التي تعرضت لها الشركة في أوائل التسعينيات.

 

لا شك أن جميع الشركـات ذات الاستراتيجـيات بعيدة النظر التي تناولتها الدراسة واجهت عديدًا من العقبات ووقعت في كثير من الأخطاء في مراحل معينة من حياتها، ويعاني بعضها أزمات في الوقت الراهن، إلا أن هذه الشركات تتمتع بقدر كبير من المرونة والقدرة على استعادة مكانتها مرة أخرى والتغلب على الأزمات، وهذا أمر غاية في الأهمية.

 

بناءً على ما سبق تتميز الشركات ذات الاستراتيجيات بعيدة النظر بأداء «طويل الأمد» استثنائي. افترض أنك استثمرت في ١ يناير/كانون الثاني عام ١٩٢٦ ثلاثة دولارات أمريكية، أحدها في صندوق أسهم السوق العامة، والآخر في صندوق أسهم خاص بشركة مناظرة والثالث في صندوق أسهم خاص بشركة ذات استراتيجيات بعيدة النظر. إذا أعدت استثمار أرباح جميع الأسهم مرة أخرى وعملت تسويات مناسبة بناءً على وقت إتاحة أسهم الشركات في البورصة (حسبنا أسعار الأسهم وفقًا للمعدلات العامة للسوق لحين ظهور الشركات في البورصة)؛ فإنه بحلول ٣١ ديسمبر/كانون الأول ١٩٩٠ سيحقق الدولار الذي استثمرته في صندوق أسهم السوق العامة مبلغ ٤١٥ دولارًا أمريكيًّا، وهي نسبة معقولة، وسيحقق الدولار المستثمر في صندوق الأسهم الخاص بالشركة المناظرة مبلغ ٩٥٥ دولارًا أمريكيًّا، أي ضعف النسبة التي وصل إليها في السوق العامة، في حين سيحقق الدولار المستثمر في صندوق الأسهم الخاص بشركة ذات استراتيجيات بعيدة النظر مبلغ ٦,٣٥٦ دولارًا أمريكيًّا، أي ما يزيد عن ستة أضعاف نسبة الأرباح في صندوق الأسهم الخاص بالشركة المناظرة، وما يزيد عن خمس عشرة مرة أرباح صندوق أسهم السوق العامة. (يوضح الرسم البياني ١-أ الأرباح التراكمية من عام ١٩٢٦ إلى ١٩٩٠، ويوضح الرسم البياني ١-ب نسبة أرباح الشركات ذات الاستراتيجيات بعيدة النظر والشركات المناظرة إلى السوق العامة على مدار المدة الزمنية نفسها.)

 

 

 

 

لكن الشركات ذات الاستراتيجيات بعيدة النظر حققت ما هو أكبر من تحقيق عائدات مالية طويلة الأجل فقط، فقد تمكنت هذه الشركات من التغلغل في النسيج المجتمعي بحيث أصبحت جزءًا لا يتجزأ منه. فمن الصعب تخيل العالم من حولنا دون الشرائط اللاصقة الشفافة أو ملصقات بوست إت التذكيرية من إنتاج شركة ثري إم، أو سيارات فورد طراز موديل تي Model T وموستانج Mustang، أو طائرات بوينج طراز 707 و747، أو منظفات تايد أو صابون أيفوري، أو البطاقات والشيكات السياحية الخاصة بشركة أمريكان إكسبريس، أو ماكينات الصراف الآلي التي كان لبنك سيتيكورب الفضل الأكبر في انتشارها على نطاق واسع، أو ضمادات الجروح اللاصقة باند إيد وعقار تيلينول من شركة جونسون آند جونسون، كما يصعب تخيل العالم دون مصابيح وأجهزة جنرال إلكتريك الكهربائية أو الحاسبات الإلكترونية وطابعات الليزر من إنتاج شركة هيوليت-باكارد أو أجهزة كمبيوتر آي بي إم 360 وآلات سيليكتريك الكاتبة من إنتاج شركة آي بي إم، أو فنادق ماريوت، أو عقار ميفاكور من شركة ميرك لخفض نسبة الكولسترول، أو الهواتف المحمولة وأجهزة النداء الآلي من موتورولا، أو المعايير التي أرستها شركة نوردستروم في مجال خدمة العملاء، أو أجهزة التلفزيون بتقنية الترينيترون وأجهزة الاستماع المحمولة من إنتاج شركة سوني. فكر في عدد الأطفال — والبالغين — الذين ترعرعوا واعتادوا على شخصيات عالم ديزني الكرتونية مثل ميكي ماوس ودونالد داك وسنو وايت. هل يمكنك تصور طريق سريع في المدينة يخلو من لوحات راعي بقر مارلبورو الإعلانية؟ أو تخيل قرى أمريكية دون سلسلة متاجر وول-مارت؟ سواءً أكانت النتائج سلبية أم إيجابية، فقد تركت هذه الشركات أثرًا لا يمحى في العالم من حولها.

 

ومع ذلك تبقى النقطة المثيرة للاهتمام أن نفهم «كيف» استطاعت هذه الشركات أن تتفوق على باقي الشركات الأخرى وأن تدخل في حيز الفئة المميزة التي نعتبرها ذات استراتيجيات بعيدة النظر؟ كيف كانت بدايتها؟ كيف واجهت صعوبات المراحل المختلفة في طريق تطورها من شركات ناشئة إلى مؤسسات عالمية؟ وبعد وصولها إلى العالمية، ما الصفات المشتركة التي جمعت بينها وميزتها عن سائر الشركات الكبرى؟ ما الدروس المستفادة من مراحل تطور هذه الشركات التي قد تعين الراغبين في تأسيس شركات مماثلة وتضمن استمرارها وتقدمها؟ أنت مدعو للانضمام إلينا في رحلة خلال هذا الكتاب للتعرف على إجابات هذه الأسئلة.

 

خُصِّصَ النصف الثاني من هذا الفصل لوصف خطوات البحث الذي أجريناه، وبدءًا من الفصل الثاني نستعرض معًا النتائج التي توصلنا إليها والتي تشتمل على عدد من الاكتشافات المثيرة للدهشة وغير المتوقعة. وفيما يأتي استعراض سريع لاثني عشر مفهومًا خاطئًا شائعًا تعرضنا لها وقوضناها على مدار البحث.

 

اثنا عشر مفهومًا خاطئًا

 

المفهوم الخاطئ الأول: لا بد من وجود فكرة ثورية لتأسيس شركة ناجحة.

 

الواقع: أن تأسيس شركة بناءً على وجود «فكرة ثورية» ربما يكون فكرة سيئة، فعدد محدود من الشركات ذات الاستراتيجيات بعيدة النظر نشأت من فكرة ثورية، بل إن بعضها بدأ دون وجود فكرة محددة «على الإطلاق»، وواجه القليل منها في بداية الطريق فشلًا شديدًا. علاوة على ذلك فإن احتمال النجاح المبكر للشركات ذات الاستراتيجيات بعيدة النظر كان أقل بكثير منه في حالة الشركات المناظرة في بحثنا، بصرف النظر عن فكرة تأسيس الشركة. وكما في القصة المأثورة عن السلحفاة والأرنب، كثيرًا ما تستغرق الشركات ذات الاستراتيجيات بعيدة النظر وقتًا أطول من غيرها لتحقيق النجاح في البداية، إلا أنها تظفر بالسباق في النهاية.

 

المفهوم الخاطئ الثاني: تحتاج الشركات ذات الاستراتيجيات بعيدة النظر إلى قادة عظماء ومؤثرين وذوي رؤية ثاقبة.

 

الواقع: «لا حاجة» على الإطلاق إلى وجود قادة مؤثرين بعيدي النظر في الشركات ذات الاستراتيجيات بعيدة النظر، بل إن وجودهم في الحقيقة قد يضر بمصلحة الشركة ونجاحها على المدى البعيد، فبعض أبرز الرؤساء التنفيذيين للشركات الكبرى لم يكونوا قادة مؤثرين ذائعي الصيت، في حين كان البعض الآخر على العكس تمامًا من ذلك. وكما حدث مع مؤسسي الولايات المتحدة في المؤتمر الدستوري؛ ركز الرؤساء التنفيذيون في الشركات ذات الاستراتيجيات بعيدة النظر على إنشاء مؤسسة قادرة على البقاء أكثر من تركيزهم على أن يصبحوا قادة عظامًا، فقد آمن هؤلاء بمقولة «لا تخبرني بالوقت ولكن اصنع لي ساعة»، الأمر الذي يختلف إلى حد ما عما آمن به الرؤساء التنفيذيون في الشركات المناظرة.

 

المفهوم الخاطئ الثالث: تُؤَسَّس أكثر الشركات نجاحًا في المقام الأول بغية مضاعفة الأرباح.

 

الواقع: لم يمثل المذهب المدرّس في كليات إدارة الأعمال الذي يؤكد على أهمية «مضاعفة ثروة المساهمين» أو «مضاعفة الأرباح» القوة الدافعة الأساسية أو الهدف الرئيسي على مدار تاريخ الشركات ذات الاستراتيجيات بعيدة النظر، بل على العكس من ذلك، تسعى مثل هذه الشركات لتحقيق مجموعة من الأهداف ولا يمثل تحقيق الأرباح إلا واحدًا منها، لكنه ليس الهدف الرئيسي بالضرورة. لا شك أن هذه الشركات تسعى إلى تحقيق الربح، إلا أنها تتبنى أيضًا أيديولوجية وقيمًا جوهرية وتتمتع بعزيمة لا تقهر تسمو فوق هدف السعي لتحقيق الأرباح فقط. لكن المفارقة تكمن في أن الشركات ذات الاستراتيجيات بعيدة النظر تحقق أرباحًا أكثر من الشركات المناظرة التي تسعى لتحقيق الربح في المقام الأول.

 

المفهوم الخاطئ الرابع: تشترك الشركات ذات الاستراتيجيات بعيدة النظر في مجموعة من القيم الجوهرية «الصحيحة».

 

الواقع: لا توجد ثمّة مجموعة «صحيحة» من القيم الجوهرية تعتمد عليها الشركات ذات الاستراتيجيات بعيدة النظر، وقد تختلف الأيديولوجية الخاصة بإحدى الشركات تمامًا عن أيديولوجية شركة أخرى، وكلتاهما ناجحتان. وليس من الضروري أن تكون القيم الجوهرية المتبناة في شركة ذات استراتيجيات بعيدة النظر «مستنيرة» أو «مرتبطة بالثقافة الإنسانية»، غير أنها غالبًا ما تكون كذلك، والعامل الأساسي الذي يفرق بين الشركات لا يكمن في مضمون أيديولوجياتها، بل في عمق «إيمان» الشركة بأيديولوجيتها، ومدى ثباتها عليها وتطبيقها لها في كل ما تقوم به. والسؤال الذي يهم الشركات ذات الاستراتيجيات بعيدة النظر ليس: «ما القيم التي يجب أن نتمسك بها؟» بل: «ما القيم التي نؤمن بها «حقًّا» في أعماقنا؟»

 

المفهوم الخاطئ الخامس: التغيير هو الثابت الوحيد.

 

الواقع: تسعى الشركات ذات الاستراتيجيات بعيدة النظر جاهدة للحفـاظ على أيديولوجـيتها الجوهرية، ولا تـغيرها — إن فعلت — إلا نادرًا. فالقيم الجوهرية كحجر الأساس الذي تقوم عليه الشركة ومن ثم لا تخضع تلك القيم للتغيير وفقًا للتوجهات والنزعات السائدة، وفي بعض الشركات ظلت القيم الجوهرية ثابتة لأكثر من مائة عام، كذلك فإن الهدف الرئيسي في شركة ذات استراتيجيات بعيدة النظر — أي السبب وراء إنشائها — قد يلعب دور مشعل التنوير على مدى قرون طويلة، كنجم خالد في الأفق.

 

وفي حين تحافظ الشركات ذات الاستراتيجيات بعيدة النظر على ثبات أيديولوجياتها الجوهرية، فإنها تتمتع بدافع قوي لتحقيق التقدم يساعدها على التغير والتكيف دون المساس بمُثُلها الجوهرية التي تعتز بها.

 

المفهوم الخاطئ السادس: تتصرف الشركات الكبرى بأسلوب حذر يخلو من المغامرة.

 

الواقع: قد يرى غير المتخصصين أن الشركات ذات الاستراتيجيات بعيدة النظر على قدر من التشدد والتحفظ، إلا أنها لا تخشى أن تلتزم «بأهداف كبيرة تنطوي على الجرأة والمخاطرة BHAGs»، وقد تكون هذه الأهداف مروعة وخطيرة كتسلق جبل شاهق أو الوصول إلى القمر، إلا أن ما تنطوي عليه من روح المغامرة والإثارة والتحدي تجذب انتباه الأشخاص وتحفزهم لبذل الجهد وتمدهم بقوة هائلة تدفعهم للأمام. وقد أدركت الشركات ذات الاستراتيجيات بعيدة النظر أهمية مثل هذه الأهداف واستخدمتها بحكمة لدفع عجلة التقدم والتفوق على الشركات المنافسة في مراحل حاسمة من التاريخ.

 

المفهوم الخاطئ السابع: تمثل الشركات ذات الاستراتيجيات بعيدة النظر بيئة مثالية للعمل لأي شخص.

 

الواقع: أن الأشخاص الذين «يتوافقون» تمامًا مع الأيديولوجية الجوهرية للشركة والمعايير المطلوبة لها وحدهم سيجدون الشركة بيئة مثالية للعمل بالفعل. إذا عملت لدى إحدى الشركات ذات الاستراتيجيات بعيدة النظر، فإما أن تنسجم وتحقق النجاح والازدهار وتكون أسعد الناس، أو تُعامل معاملة المنبوذين وتتعرض للإقصاء. هذان احتمالان لا ثالث لهما، فالأمر أشبه باعتناق مذهب متشدد. تتمتع الشركات ذات الاستراتيجيات بعيدة النظر بسياسات واضحة جدًّا فيما يخص مواقفها وأهدافها المنشودة بحيث لا تفسح المجال لمن لا يمتلك القدرة أو الإرادة للتوافق مع المعايير المحددة لها.

 

المفهوم الخاطئ الثامن: تقوم الشركات الناجحة بأفضل خطواتها وفقًا لتخطيط استراتيجي يتسم بالفطنة والتعقيد.

 

الواقع: تقوم الشركات ذات الاستراتيجيات بعيدة النظر بتنفيذ بعض أفضل خطواتها عن طريق التجريب، والمحاولة والخطأ، وانتهاز الفرص، والصدفة المحضة في أحيان كثيرة. وما يُنظر إليه «فيما بعد» على أنه خطوة تدل على الحنكة وبعد النظر والتخطيط المسبق يكون في العادة ناتجًا عن فكرة «دعونا نجرب العديد من الأمور ونُبقي على ما يثبت نجاحه.» وبهذا تحاكي الشركات ذات الاستراتيجيات بعيدة النظر التطور البيولوجي للكائنات الحية، فقد وجدنا المفاهيم الواردة في كتاب تشارلز داروين «أصل الأنواع» Origin of Species أكثر نفعًا في محاكاة قصص نجاح بعض الشركات ذات الاستراتيجيات بعيدة النظر من أي كتاب آخر عن التخطيط الاستراتيجي للشركات.

 

المفهوم الخاطئ التاسع: يجب على الشركات توظيف رؤساء تنفيذيين من خارج الشركة لبث روح التغيير الجوهري.

 

الواقع: على مدار «ألف وسبعمائة» عام من مجموع أعمار الشركات ذات الاستراتيجيات بعيدة النظر، لم نجد سوى «أربع» حالات فقط للاستعانة برؤساء تنفيذيين من خارج الشركة، وكانت في شركتين فقط، فسيطرة أبناء المؤسسة على الإدارة تزيد في الشركات ذات الاستراتيجيات بعيدة النظر عنها في الشركات المناظرة زيادة كبيرة «نحو ستة أضعاف». ومرة بعد مرة هدمت هذه الشركات الاعتقاد السائد بأن التغيير الحقيقي والأفكار الجديدة لا تأتي إلا من خارج الشركة.

 

المفهوم الخاطئ العاشر: تركز أنجح الشركات في المقام الأول على التغلب على الشركات المنافسة.

 

الواقع: تركز الشركات ذات الاستراتيجيات بعيدة النظر في المقام الأول على التفوق على نفسها، فهذه الشركات تنظر للنجاح والتفوق على المنافسين ليس كهدفين منشودين في حد ذاتهما، بل كـ«نتيجة» تابعة لطرح السؤال الملح «كيف يمكننا رفع مستوانا وتحسين أدائنا غدًا عما كان عليه اليوم؟» تطرح الشركات ذات الاستراتيجيات بعيدة النظر هذا السؤال يوميًّا — حتى يصبح طريقة حياة — وفي بعض الحالات قد تظل تطرحه لمدة تصل إلى أكثر من ١٥٠ عامًا. وبصرف النظر عن مدى التقدم الذي تحرزه على منافسيها، لا يغلب عليها أبدًا الشعور بالرضا عن النفس.

 

المفهوم الخاطئ الحادي عشر: لا يمكنك إعداد الكعك وتناوله في آن واحد.

 

الواقع: لا تجذب الشركات ذات الاستراتيجيات بعيدة النظر نفسها للخلف بالاعتقاد في مبدأ «سطوة الـ«أو»»، وهو المبدأ العقلاني الذي يفيد بأنه يمكنك الحصول على «أ» «أو» «ب» ولكن ليس كلاهما، فهي ترفض الاختيار بين ضمان الاستقرار «أو» التقدم، وبين التمسك بالثقافات السائدة «أو» الاستقلالية، وبين توظيف الرؤساء المحليين «أو» إحداث تغيير جذري، وبين تبني ممارسات محافظة «أو» الأهداف الكبيرة التي تنطوي على الجرأة والمخاطرة، وبين كسب المال «أو» التمسك بالقيم والغايات. بدلًا من ذلك، تعتنق هذه الشركات مبدأ «عبقرية الـ«و»»، وهو المبدأ المناقض الذي يُتيح للشركة السعي للحصول على «أ» «و» «ب» في الوقت ذاته.

 

المفهوم الخاطئ الثاني عشر: تصبح الشركات ذات استراتيجيات بعيدة النظر بالاعتماد على «بيان الرؤية».

 

الواقع: لم تصل الشركات ذات الاستراتيجيات بعيدة النظر إلى تلك المكانة لأنها أعدت بيان الرؤية (مع أنها غالبًا ما تعد هذا البيان)، كما أنها لم تصل إلى تلك المكانة العظيمة بوضع بيان للرؤية أو القيم أو الغايات أو المهام أو الطموحات، وهي البيانات التي شاع الاعتماد عليها في مجال الإدارة اليوم، مع أن هذه الشركات قد وضعت مثل هذه البيانات بصورة دائمة ومنتظمة أكثر من الشركات المناظرة وقبل أن يشيع استخدامها بعشرات السنوات. إن وضع بيان قد يمثل «خطوة» ذات جدوى في طريق تأسيس شركة ذات استراتيجيات بعيدة النظر، إلا أنها لا تتعدى كونها خطوة واحدة من بين آلاف الخطوات التي تشتمل عليها العملية التي لا تنتهي لتحديد الصفات الجوهرية التي تميز الشركات ذات الاستراتيجيات بعيدة النظر.

 

المشروع البحثي

 

النشأة: من القائد ثاقب النظر بشركة ثري إم؟

 

في عام ١٩٨٨ بدأ بحثنا حول مسألة «الرؤية» لدى الشركات: هل يوجد هذا المفهوم بالفعل؟ وإن وجد، فما المقصود به؟ وما مصدره؟ وكيف يتسنى للشركات القيام بأشياء تتسم ببعد النظر؟ استحوذت مسألة الرؤية على الاهتمام في الأوساط الصحفية وأوساط المفكرين الإداريين، بيد أن ما اطلعنا عليه لم يكن كافيًا لنا على الإطلاق.

 

من ناحية أثار مصطلح «الرؤية» الكثير من الجدل واستُخدم في سياقات عديدة مما أكسبه الكثير من الغموض بدلًا من الوضوح. فسر البعض مصطلح الرؤية على أنه امتلاك صورة واضحة لمستقبل السوق، في حين فسره آخرون من ناحية التكنولوجيا أو الرؤية المستقبلية للمنتج، مثل جهاز ماكنتوش Macintosh، وركز البعض الآخر على الرؤية العامة للمنظمة؛ القيم والغايات والمهام والأهداف وتصورات بيئة العمل المثالية. من هنا يتضح مدى التشويش والالتباس المحيطين بالمصطلح، فلا عجب من تشكيك الكثير من رجال الأعمال المشهود لهم بالتجرد والعملية في فكرة الرؤية ككل، فقد بدت لهم غامضة وغير واضحة وغير عملية إلى حد بعيد.

 

علاوة على ذلك ظهرت صورة ما يسمى بـ«القائد ثاقب النظر» (الذي يكون في العادة قائدًا مؤثرًا ذائع الصيت) في خلفية أغلب المناقشات والكتابات التي تناولت مسألة الرؤية، وهو الأمر الذي أزعجنا بشدة. إذا كان وجود «قادة ثاقبي النظر» على هذه الدرجة من الأهمية لتطور المنظمات الكبرى، «فمن هم القادة ثاقبو النظر بشركة ثري إم؟» نحن لم نكن نعرف، فهل تعرف أنت؟ نالت شركة ثري إم استحسانًا واسع النطاق ومنقطع النظير على مدار عقود، غير أن قليلين هم من يستطيعون معرفة اسم الرئيس التنفيذي الحالي للشركة أو من سبقه أو من سبقهما.

 

يصف الكثيرون شركة ثري إم بأنها شركة ذات استراتيجيات بعيدة النظر، ومع ذلك فهي لا تضم (ولم تضم يومًا) قادة مؤثرين ثاقبي النظر أو ذائعي الصيت بالمعنى التقليدي. بعد دراسة تاريخ شركة ثري إم توصلنا إلى أن الشركة يرجع تاريخ تأسيسها إلى عام ١٩٠٢، وإذا كان للشركة قائد ثاقب النظر في الماضي، فمن المؤكد أنه قد مات منذ زمن طويل. (الواقع أنه منذ عام ١٩٩٤ تولى زمام الشركة عشرة أجيال مختلفة من الرؤساء التنفيذيين)، وتبين أيضًا أنه من المحال أن تعزو شركة ثري إم ما حققته من نجاح إلى مفهوم إنتاجي بعيد النظر أو إلى رؤية ثاقبة للسوق أو إلى ضربة حظ فقط، فلا يعقل أن يكون مثل هذا الأداء المتميز للشركة على مدار ما يقرب من مائة عام وليد مفهوم إنتاجي أو ضربة حظ.

 

خطر لنا أن نجاح شركة ثري إم يمثل شيئًا يفوق مفهوم القائد ثاقب النظر أو المفاهيم الإنتاجية بعيدة النظر أو الرؤية الثاقبة للسوق أو بيانات الرؤية الحماسية. فالأمر أكبر من ذلك، وأفضل وصف يمكن إطلاقه على شركة ثري إم، من وجهة نظرنا، هو «شركة ذات استراتيجيات بعيدة النظر.»

 

وهكذا شرعنا في إجراء مشروعنا البحثي الموسع الذي يدور حوله هذا الكتاب. وبإيجاز كان هناك هدفان رئيسيان للمشروع البحثي:

 

(١) تحديد السمات والآليات الأساسية المشتركة بين الشركات ذات الاستراتيجيات بعيدة النظر (التي تميزها عن سائر الشركات الأخرى) وترجمة نتائج البحث إلى إطار فكري نافع.

(٢) قل النتائج والمفاهيم بأسلوب فعال بحيث تؤثر إيجابيًّا على التطبيق العلمي للإدارة، وتجدي نفعًا لمن يسعى إلى تأسيس شركة ذات استراتيجيات بعيدة النظر ويرغب في ضمان استمرارها.

 

الخطوة الأولى: تحديد الشركات الجديرة بالدراسة والبحث

 

توقف وفكر هنيهة، افترض أنك تريد وضع قائمة بالشركات ذات الاستراتيجيات بعيدة النظر لدراستها، مع الوضع في الاعتبار أنه لا توجد ثمة منشورات تتحدث عن مثل هذه الشركات وأن المفهوم جديد تمامًا، فكيف ستتعامل حينئذ مع الأمر؟

 

لقد بحثنا الأمر واستنبطنا أننا كأفراد ينبغي ألا نضع مثل هذه القائمة، فقد نتحيز لشركة ونفضلها بدرجة كبيرة عن الأخرى، في حين أننا لسنا على دراية كافية بخلفية الشركات، كأن نتحيز لشركات مقرها كاليفورنيا أو لشركات التكنولوجيا لأنها مألوفة لنا بصورة أكبر.

 

وفي محاولة منا للقضاء على عامل التحيز هذا، أجرينا استقصاءً بين مجموعة منتقاة من الرؤساء التنفيذيين بالشركات الرائدة — على اختلاف أحجامها وصناعاتها وفئاتها ومواقعها الجغرافية — وطلبنا منهم مساعدتنا في وضع قائمة بالشركات ذات الاستراتيجيات بعيدة النظر لدراستها، وكان لدينا اعتقاد بأن الرؤساء التنفيذيين لديهم من الفطنة والتمرس ما يمكنهم من انتقاء الشركات ذات الاستراتيجيات بعيدة النظر نظرًا للموقع الفريد الذي يشغلونه على رأس الشركات الرائدة. وقد وثقنا بالمعلومات التي زودنا بها هؤلاء الرؤساء التنفيذيون أكثر من معلومات الأكاديميين، وذلك لأن الرؤساء التنفيذيين على تواصل دائم بالتحديات والحقائق العملية ذات الصلة بتأسيس الشركات وإدارتها. كما أن هؤلاء الرؤساء لديهم خبرة عملية ممتازة بالشركات في مجال عملهم والمجالات ذات الصلة، كذلك رأينا أن الرئيس التنفيذي المتميز يراقب عن كثب أداء الشركات الأخرى، سواء تلك التي تتعامل معها شركته أو الشركات المنافسة.

 

في أغسطس ١٩٨٩ أجرينا استقصاء على عينة نموذجية منتقاة بدقة تشمل سبعمائة رئيس تنفيذي ينتمي إلى أحد الشركات المدرجة في الإحصائيات التالية:

 

•الشركات الصناعية بقائمة مجلة فورتشن السنوية لأكبر ٥٠٠ شركة في الولايات المتحدة
•الشركات الخدمية بقائمة مجلة فورتشن السنوية لأكبر ٥٠٠ شركة في الولايات المتحدة
•الشركات الخاصة بقائمة مجلة إنك السنوية لأسرع ٥٠٠ شركة نموًّا في الولايات المتحدة
•الشركات العامة بقائمة مجلة إنك السنوية لأسرع الشركات العامة نموًّا في الولايات المتحدة

 

ثم اخترنا الرؤساء التنفيذيين من كل فئة صناعية وفقًا لقوائم مجلة فورتشن لأفضل ٥٠٠ شركة خدمية وصناعية على حد سواء (٢٥٠ شركة من كل فئة من الفئتين) لضمان الحصول على عينة نموذجية تمثل مختلف الصناعات. وجرى انتقاء شركات من القوائم المدرجة بمجلة إنك أيضًا لضمان التمثيل المناسب للشركات الأصغر حجمًا، سواء أكانت تابعة للقطاع العام أو الخاص (فحصنا عينة نموذجية تشمل ٢٠٠ شركة تنتمي إلى هذين القطاعين)، ثم طلبنا من كل رئيس تنفيذي أن يرشح خمس شركات على الأكثر يعتبرها «شركات ذات استراتيجيات بعيدة النظر من الطراز الأول»، وقد أكدنا على الرؤساء التنفيذيين أن يردوا «شخصيًّا» وألا يفوضوا شخصًا آخر في الشركة لأداء هذه المهمة.

 

وقد تلقينا ردودًا من ٢٣,٥ في المائة من الرؤساء التنفيذيين (١٦٥ بطاقة) بمتوسط ٣,٢ شركة لكل بطاقة، وأجرينا بعد ذلك سلسلة من التحليلات الإحصائية للتأكد من حصولنا على عينة نموذجية من القطاعات المستهدفة كافة. بعبارة أخرى لم تسيطر فئة بعينها من الرؤساء التنفيذيين على البيانات النهائية للدراسة الاستقصائية، فقد جمعنا معلومات إحصائية نموذجية من جميع أنحاء البلاد ومن شركات متعددة تنتمي إلى مختلف الفئات والأحجام.

 

وبالاستناد إلى نتائج الدراسة الاستقصائية، وضعنا قائمة بالشركات ذات الاستراتيجيات بعيدة النظر لدراستها بدءًا بتحديد أكثر عشرين شركة رشحها الرؤساء التنفيذيون، ثم استبعدنا الشركات التي تأسست بعد عام ١٩٥٠، حيث رأينا أن الشركات التي تأسست قبل عام ١٩٥٠ أثبتت أنها لم تنجح بفضل قائد واحد ولم تكن وليدة فكرة ثورية فحسب. وبعد تطبيق معايير فترة ما قبل عام ١٩٥٠ بدقة، اختصرنا القائمة النهائية إلى ١٨ شركة ذات استراتيجيات بعيدة النظر، وكانت أحدث الشركات في قائمتنا قد تأسست عام ١٩٤٥ وأقدمها عام ١٨١٢، أي أنه قد مر على إنشاء الشركات قيد الدراسة وقت إجرائنا لهذا البحث ٩٢ عامًا في المتوسط، بمتوسط تاريخ تأسيس عام ١٨٩٧ وباعتبار ١٩٠٢ كتاريخ وسيط (راجع الجدول ١-٢ للاطلاع على تواريخ التأسيس.)

 

الخطوة الثانية: تفادي شرك «اكتشاف أن جميع الشركات لها مبان!» (مجموعة مناظرة)

 

كان يمكننا وضع الشركات ذات الاستراتيجيات بعيدة النظر بكل بساطة في مجموعة منعزلة ودراستها والبحث عن السمات المشتركة بينها، إلا أن تحليل «السمات المشتركة» فحسب يعد خطأ جسيمًا.

 

ماذا سنكـتشف إذا بحثـنا عن السمات المشتركـة فحسب؟ قد نجد — كمثال متطرف — أن الشركات الثماني عشرة تمتلك مباني! نعم، سنجد أن هناك ارتباطًا تامًّا بين كون الشركة ذات استراتيجيات بعيدة النظر ووجود مقر للشركة، وسنجد كذلك أن هناك ارتباطًا تامًّا بين كون الشركة ذات استراتيجيات بعيدة النظر ووجود مكاتب ونظم لدفع الرواتب ومجالس إدارة ونظم محاسبية بها، بالطبع أدركت المقصود. من غير المعقول إذن أن نستنتج أن أحد العوامل الرئيسية المشتركة بين الشركات ذات الاستراتيجيات بعيدة النظر هو وجود مبنى للشركة، فمما لا شك فيه أن لكل شركة مبنى، فاكتشاف أن نسبة ١٠٠ في المائة من الشركات ذات الاستراتيجيات بعيدة النظر تمتلك مباني ليس بالمعلومة الثمينة.

 


 

نرجو ألا يسيء القارئ فهم الإسهاب في الحديث عن هذه النقطة، فنحن لا نحاول التشديد على مفهوم واضح وضوح الشمس للجميع، لكن السبب في هذا الإسهاب يرجع إلى أن الكثير من الأبحاث والكتابات التي تدور حول عالم الأعمال تقع في شَرَك «اكتشاف أن جميع الشركات لها مبان». افترض أنك درست مجموعة من الشركات الناجحة وتوصلت إلى أنها جميعًا تتبنى سياسات التركيز على العملاء أو تحسين الجودة أو تمكين العاملين، كيف تتأكد من أنك لم تكتشف سوى بعض الممارسات الإدارية المكافئة لامتلاك مبنى للشركة؟ كيف تعرف أنك توصلت إلى شيء «يميز» الشركات الناجحة عن غيرها من الشركات؟ بالطبع لا يمكنك التأكد من هذا الأمر ما لم يكن لديك مجموعة ضابطة، أي مجموعة مناظرة من الشركات لتقارن بها هذه الشركات الناجحة.

 

إن السؤال الحاسم الآن ليس «ما الصفات المشتركة بين مجموعة بعينها من الشركات؟» بل «ما الذي يجعل هذه الشركات «مختلفة»؟» و«ما الذي يميز مجموعة من الشركات عن غيرها؟» بناء على ما سبق توصلنا إلى أنه لا يمكننا تحقيق أهداف بحثنا إلا بمقارنة الشركات ذات الاستراتيجيات بعيدة النظر بالشركات الأخرى التي كانت لها بداية مشابهة.

 

تحلينا بدرجة عالية من المنهجية والدقة عند اختيار شركة مناظرة لكل شركة ذات استراتيجيات بعيدة النظر (راجع الجدول ١-١ في هذا الفصل للاطلاع على أزواج الشركات). كذلك طبقنا المعايير التالية في عملية انتقاء الشركات المناظرة:

 

•«الاشتراك في وقت التأسيس»: بحثنا عن شركة مناظرة تأسست في نفس الفترة التي تأسست فيها الشركة ذات الاستراتيجيات بعيدة النظر في كل حالة من الحالات، علمًا بأن متوسط تاريخ تأسيس الشركات المناظرة في هذه الدراسة هو عام ١٨٩٢ مقابل عام ١٨٩٧ للشركات ذات الاستراتيجيات بعيدة النظر.


•«الاشتراك في المنتجات والأسواق وقت التأسيس»: بحثنا عن شركة مناظرة في كل حالة بدأت بتقديم نفس المنتجات والخدمات وفي نفس الأسواق في المراحل المبكرة لها كما في الشركة ذات الاستراتيجيات بعيدة النظر. وليس من الضروري مع ذلك أن تظل الشركة المناظرة تعمل في المجال نفسه في المراحل التالية من تاريخها، فقد كان مرادنا البحث عن شركات انطلقت من نفس النقطة، لكنها لم تصل بالضرورة لنفس النقطة. على سبيل المثال توسعت شركة موتورولا (إحدى الشركات ذات الاستراتيجيات بعيدة النظر) بصورة مذهلة لتتخطى مجال الإلكترونيات، في حين لم تشهد شركة زينيث (الشركة المناظرة لموتورولا) مثل هذا التوسع. نحن نسعى إلى معرفة الأسباب التي أدت إلى ظهور هذا الاختلاف الكبير بين هاتين الشركتين مع أن لهما نفس البداية.


•«حصد عدد أقل من أصوات الرؤساء التنفيذيين»: في كل حالة من الحالات بحثنا عن شركة مناظرة حصدت عددًا أقل من أصوات الرؤساء التنفيذيين في الاستقصاء الذي أجريناها. ونظرًا لأننا اعتمدنا بصورة جوهرية على الرؤساء التنفيذيين في اختيار الشركات ذات الاستراتيجيات بعيدة النظر، قررنا الاعتماد على نفس المعلومات التي زودونا بها عند اختيار مجموعة الشركات المناظرة.


•«عدم اختيار شركات متدنية المستوى»: لم نشأ مقارنة الشركات ذات الاستراتيجيات بعيدة النظر بأخرى فاشلة أو ضعيفة الأداء، فلدينا اعتقاد راسخ بأن المقارنة المتكافئة (أي مقارنة الشركات بأخرى عالية المستوى) ستضفي على النتائج النهائية الكثير من المصداقية والأهمية. وإذا قارنا الشركات ذات الاستراتيجيات بعيدة النظر بمجموعة من الشركات التي واجهت فشلًا ذريعًا، فمن المؤكد أننا سنجد اختلافات، إلا أنها ستكون اختلافات عديمة الفائدة. إذا قارنت على سبيل المثال فِرق البطولات الأوليمبية بفرق المدارس الثانوية فستجد اختلافات بينها بطبيعة الحال، لكن هل سيكون لهذه الاختلافات مغزى؟ هل ستكون ذات قيمة؟ بالطبع لا، لكن لو قارنت الفرق الأولمبية الفائزة بالميداليات الذهبية بأخرى حاصلة على الميداليات الفضية أو البرونزية ووضعت يدك على اختلافات منهجية بينها، فستكون بذلك قد توصلت إلى شيء ذي مصداقية ونفع؛ «كان هدفنا مقارنة الفرق الفائزة بالميداليات الذهبية بالفرق الحاصلة على الميداليات الفضية أو البرونزية — متى أمكن ذلك — لنضفي على نتائج الدراسة مغزى حقيقيًّا.»

 

قررنا أن نأخذ على عاتقنا المهمة الشاقة الخاصة بتعقب تاريخ الشركات بكامله منذ لحظة إنشائها، فنحن لم نسع لمعرفة الصفات التي تميزها في «الوقت الحالي» فحسب، لكن الأسئلة التي شغلتنا في المقام الأول كانت: «كيف نشأت هذه الشركات؟ كيف تطورت؟ كيف تغلبت على المصاعب التي واجهتها كشركة صغيرة تفتقر إلى المال؟ كيف أدارت المرحلة الانتقالية من شركة ناشئة إلى مؤسسة كبرى؟ كيف واجهت انتقال زمام الإدارة من جيل المؤسسين إلى الجيل الثاني؟ كيف تعاملت مع مختلف الأحداث التاريخية كالحروب وأزمات الركود الاقتصادي؟ كيف تعاملت مع ابتكار تكنولوجيات ثورية جديدة؟»

 

لقد أجرينا هذا البحث في تحليل تاريخ الشركات لثلاثة أسباب؛ أولًا: أردنا جمع المفاهيم التي قد تفيد ليس فقط القراء من المؤسسات الكبرى، بل القراء من الشركات الصغيرة ومتوسطة الحجم أيضًا. فضلًا عن أننا نمتلك خبرة عملية وأكاديمية بعالم الشركات — بدءًا من تنظيم المشروعات وإنشاء الشركات الصغيرة ووصولًا إلى رسم خطط التغيير التنظيمي في المؤسسات الكبرى — وكان هدفنا من وراء ذلك نشر المعرفة وتوفير الأدوات اللازمة في كلا المجالين العملي والأكاديمي.

 

ثانيًا، وهو الأهم: رأينا أن المنظور التطوري وحده يمكن أن يؤدي إلى إدراك الآليات الجوهرية للشركات ذات الاستراتيجيات بعيدة النظر. على سبيل التشبيه لا يمكن استيعاب مجريات الأمور في الولايات المتحدة الأمريكية تمامًا دون الإلمام بتاريخ البلاد؛ حرب الاستقلال الأمريكية والمثل والتسويات التي رسخها المؤتمر الدستوري والحرب الأهلية وعملية التوسع نحو الغرب وأزمة الكساد الاقتصادي الكبير في الثلاثينيات والدور الذي لعبه كل من جيفرسون ولنكولن وروزفلت، وغير ذلك من العوامل التاريخية الأخرى. هناك تشابه من وجهة نظرنا بين المؤسسات والأمم؛ فكلاهما تعكسان تراكم الأحداث الماضية والقوى التي أسهمت في تشكيل كل منهما، وتمتد جذورها إلى أجيال سابقة.

 

كيف نستطيع دراسة شركة ميرك اليوم دون دراسة جذور فلسفة الشركة التي وضعها جورج ميرك George Merck في العشرينيات («يُصنع الدواء للمريض وليس لجني الربح، فالأرباح تأتي في المرتبة الثانية»)؟ وكيف نفهم شركة ثري إم في الوقت الحالي دون دراسة نشأتها دون رأسمال تقريبًا كمنجم ناضب؟ وكيف ندرك حالة شركة جنرال إلكتريك في عهد جاك ويلش Jack Welch دون دراسة التطور الإداري النظامي للشركة وعمليات اختيار القادة التي يرجع تاريخها إلى بدايات القرن الماضي؟ وكيف نتفهم رد فعل شركة جونسون آند جونسون تجاه أزمة التسمم بعقار تيلينول في الثمانينيات دون دراسة الجذور التاريخية لأيديولوجية الشركة (التي خُطت عام ١٩٤٣) وكانت دليلًا لها في مواجهة الأزمة؟ والإجابة على كل هذه التساؤلات «لا نستطيع».

 

ثالثًا: رأينا أن التحليل المقارن سيكون أكثر فعالية من المنظور التاريخي، فدراسة الشركات ذات الاستراتيجيات بعيدة النظر مقابل الشركات الأخرى في الوقت الحالي تشبه إلى حد بعيد مشاهدة آخر ثلاثين ثانية من سباق للعدو الطويل؛ قطعًا ستعلم الفائز بالميدالية الذهبية في السباق، لكنك لن تعرف «أسباب» فوزه بالسباق، فلكي تدرك تمامًا نتيجة السباق لا بد أن تشاهد السباق كاملًا وتتعرف على الأحداث التي قادت إليه، أي تتابع مجموعة المتسابقين أثناء التدريبات وأثناء الاستعدادات التي تسبق السباق وتتابع أداءهم في الميل الأول من السباق ثم الميل الثاني ثم الثالث وهكذا. على نحو مماثل كان بحثنا في تاريخ الشركات محاولة منا للإجابة عن الأسئلة الآتية المثيرة للاهتمام:

 

•كيف نجحت شركة موتورولا في التحول من شركة متواضعة لإصلاح البطاريات فقط إلى صناعة راديو السيارات وأجهزة التلفزيون وأشباه الموصلات والدوائر المتكاملة والهواتف المحمولة، في حين أن شركة زينيث — التي بدأت في نفس الوقت بموارد وإمكانيات مماثلة — لم تتوسع في مجالات صناعية أخرى إلا في تصنيع أجهزة التلفزيون؟


•كيف حافظت شركة بروكتر آند جامبل على ازدهارها على مدار ١٥٠ عامًا من تأسيسها، في حين لا تستطيع معظم الشركات البقاء لأكثر من ١٥ عامًا؟ وكيف تمكنت هذه الشركة من أن تكون المؤسسة الأولى في مجالها في نهاية المطاف مع أنها بدأت رحلتها وهي متأخرة كثيرًا عن شركة كولجيت المنافسة؟


•كيف حافظت شركة هيوليت–باكارد على قوة أدائها ونشاطها بعد تنحي كل من بيل هيوليت وديفيد باكارد عن رئاسة الشركة، في حين أن شركة تكساس إنسترومنتس — التي حققت من قبل نجاحًا كبيرًا في بورصة وول ستريت — تعرضت للانهيار التام بعد تنحي بات هاجارتي Pat Haggarty؟


•لماذا أصبحت شركة والت ديزني رمزًا أمريكيًّا ونجت من محاولات للاستحواذ القسري على الشركة وحافظت على ازدهارها، في حين انسحب البساط من تحت أقدام شركة كولومبيا بيكتشرز ولم تنجح في أن تصبح رمزًا أمريكيًّا، بل انتهى الأمر ببيعها إلى شركة يابانية؟

•كيف ظهرت شركة بوينج من العدم وحققت الشهرة بعد أن كانت مجهولة في مجال صناعة الطائرات التجارية وتمكنت من إزاحة شركة ماكدونيل دوجلاس من الطريق لتصبح الشركة الرائدة في مجال صناعة الطائرات التجارية في العالم؟ وما الذي حظيت به شركة بوينج في الخمسينيات ولم تحظ به شركة ماكدونيل دوجلاس؟

 

اكتشاف مبادئ صالحة لكل العصور: هل من المنطقي التوصل إلى استنتاجات باستعراض التاريخ؟ هل سنتعلم شيئًا نافعًا من دراسة ما فعلته الشركات منذ عشرة أعوام أو ثلاثين أو خمسين أو مائة عام؟ من المؤكد أن العالم قد تغير بصورة لافتة للنظر، وسيستمر في التغير، وقد لا تتناسب المناهج بعينها التي اتبعتها هذه الشركات في الماضي مع ظروف المستقبل تناسبًا تامًّا، ونحن نقر بذلك، إلا أننا على مدار البحث وضعنا نصب أعيننا هدف التنقيب عن المبادئ والأنماط الأساسية والجوهرية الخالدة التي ربما تصلح لكل عصر. على سبيل المثال، ستتطور مع مرور الزمن الأساليب الخاصة التي تطبقها الشركات ذات الاستراتيجيات بعيدة النظر من أجل «الحفاظ على المبادئ الجوهرية ودفع عجلة التقدم في الشركة» (وهو مبدأ رئيسي نوقش كثيرًا على مدار الكتاب)، بيد أن المبدأ الأساسي في حد ذاته صالح لكل عصر؛ لا تختلف صلاحيته وأهميته عام ١٨٥٠ عن عام ١٩٠٠ أو ١٩٥٠ أو ٢٠٥٠. وهدفنا هو الاعتماد على التاريخ الطويل للشركات لاكتساب فهم عميق وابتكار مفاهيم وأدوات تساعدنا في النهوض بالشركات كي تصبح شركات ذات استراتيجيات بعيدة النظر في القرن الحادي والعشرين وما بعده.

 


في واقع الأمر، إذا أردنا تحديد عنصر واحد يميز هذا الكتاب عن غيره من الكتب السابقة في الإدارة، فسنشير إلى أننا بحثنا تاريخ الشركات منذ لحظة إنشائها وذلك مقارنة بشركات أخرى، وقد ثبت أن هذه الطريقة مثالية لإثارة التساؤلات حول المعتقدات الخاطئة الراسخة في الأذهان واكتشاف المبادئ الأساسية التي تظل صالحة على مر الزمن وعلى نطاق واسع من المجالات المختلفة.
الخطوة الرابعة: أكوام من البيانات، وشهور من الترميز، و«البحث عن السلاحف»

 

حالما حددنا الشركات التي سنتناولها بالبحث وقررنا المنهج المستخدم في البحث التاريخي والمقارنة واجهتنا عقبة أخرى؛ ما «الأمور» التي يجب أن نتناولها بالبحث في تاريخ الشركات بالتحديد؟ هل يجب أن نبحث استراتيجية الشركة؟ أم هيكلها التنظيمي؟ أم إدارتها؟ أم ثقافتها؟ أم قيمها؟ أم نظمها؟ أم خطوط إنتاجها؟ أم أوضاع الصناعة؟ ونظرًا لأننا لم نكن على دراية مسبقة بالعناصر التي ستكشف عن أسباب بقاء الشركات ذات الاستراتيجيات بعيدة النظر في هذه المنزلة، لم نتمكن من تحديد نطاق محدد للبحث، فاضطررنا إلى جمع أدلة عبر نطاق واسع من القطاعات المختلفة.

 

وضعنا في أذهاننا طوال مدة البحث صورة تشارلز داروين وهو يقوم برحلته التي استغرقت خمسة أعوام على متن السفينة البريطانية بيجل Beagle لاستكشاف جزر جالاباجوس Galapagos حيث عثر عن طريق الصدفة على مجموعة من السلاحف الضخمة (بجانب أنواع أخرى من الكائنات الحية) التي اختلفت من جزيرة إلى أخرى. كانت هذه المشاهدات غير المتوقعة بمنزلة البذرة التي دفعته للتفكير طوال رحلة العودة على متن سفينة بيجل وطوال فترة عمله بعد ذلك في إنجلترا. أتيحت لداروين الفرصة لاكتساب أفكار جديدة، الأمر الذي يرجع جزئيًّا إلى حسن حظه عندما صادف مشاهدات غير متوقعة. لم يكن هدف داروين البحث عن أنواع مختلفة من السلاحف، بيد أنها كانت موجودة بالفعل أمامه، كانت السلاحف كبيرة الحجم بطيئة الحركة غريبة الشكل تجوب الجزر، وكانت مواصفاتها لا تتفق تمامًا مع الافتراضات السابقة عن أنواع الكائنات الحية. أردنا نحن أيضًا أن نعثر على بعض السلاحف الغريبة غير المتوقعة التي قد تثير أفكارنا.

 

قطعًا أردنا أن نكون أكثر نظامية ومنهجية بدلًا من البدء في البحث فقط دون وضع هدف محدد وواضح على أمل أن نتعثر في سلحفاة أو اثنتين لتثير تساؤلاتنا، ولضمان جمع البيانات بأسلوب نظامي وشامل وضعنا إطار عمل يرتكز على منهج يسمى «تحليل سير العمل بالمنظمات» لاستخدامه في عملية جمع المعلومات وفرزها. باستخدام إطار العمل هذا جمع فريق البحث لدينا تسع فئات من المعلومات وتتبعها على مدار تاريخ كل شركة من الشركات (راجع الجدول أ-١ في الملحق ٣)، وشملت هذه الفئات فعليًّا جوانب الشركة كافة، بما في ذلك التنظيم واستراتيجية العمل والمنتجات والخدمات والتكنولوجيا والإدارة وهيكل ملكية الشركة والثقافة، إضافة إلى القيم والسياسات وظروف البيئة الخارجية. وكجزء من الجهود المبذولة أجرينا تحليلًا منظمًا للبيانات المالية السنوية التي صدرت منذ عام ١٩١٥ إضافة إلى أرباح الأسهم الشهرية منذ عام ١٩٢٦. فضلًا عن إلقاء نظرة شاملة على التاريخ العام وتاريخ التجارة والأعمال في الولايات المتحدة في المدة من عام ١٨٠٠ إلى عام ١٩٩٠، واستعراض كل المجالات التي تمثلها الشركات التي تضمها الدراسة. ولجمع معلومات عن ست وثلاثين شركة منفصلة يزيد متوسط أعمارها عن تسعين عامًا اعتمدنا على نحو مائة كتاب وما يربو على ثلاثة آلاف وثيقة منفصلة (مقالات ودراسات حالة ومواد أرشيفية ومنشورات للشركات ومواد مصورة)، واطلعنا — على أقل تقدير — على ما يزيد عن ستين ألف صفحة من المعلومات (الرقم الفعلي أقرب إلى مائة ألف صفحة على الأغلب)، فقد ملأت الوثائق المستخدمة في هذا المشروع ثلاث خزائن ملفات تصل في ارتفاعها إلى الكتف، وأربعة أرفف وعشرين ميجا بايت من المساحة التخزينية على أجهزة الكمبيوتر لتخزين البيانات والتحليلات المالية. (يستعرض الجدول أ-٢ في الملحق ٣ المصادر المستخدمة في الدراسة.)

 

الخطوة الخامسة: حصد ثمار جهودنا

 

وصلنا بعد ذلك إلى أكثر المراحل صعوبة في المشروع بأكمله؛ حيث صَفَّينا ذلك الكم الهائل من المعلومات (معظمها نوعية) واختصرناها إلى عدة مفاهيم رئيسية مرتبطة بعضها ببعض في إطار عمل؛ مجموعة من المفاهيم الرئيسية تندرج تحتها التفاصيل الكثيرة والدلائل الداعمة في بحثنا، كما بحثنا عن الأنماط المتكررة وسعينا إلى تحديد الاتجاهات والقوى الأساسية، وكان هدفنا تحديد تلك المفاهيم التي من شأنها تفسير المسار التاريخي الذي سلكته الشركات ذات الاستراتيجيات بعيدة النظر وتزويد رؤساء الشركات بالتوجيه العملي عند تأسيس شركات ناجحة في القرن الحادي والعشرين.

 

تعتمد النتائج الرئيسية التي توصلنا إليها في المقام الأول على التحليلات المقارنة، وطوال مدة عملنا في البحث ظل السؤال الأولي يعاودنا مرارًا وتكرارًا: «ما الذي يميز الشركات ذات الاستراتيجيات بعيدة النظر عن الشركات المناظرة على مدار تاريخها الطويل؟» أثناء قراءتك للكتاب ستجد إشارات للجداول المدرجة بالملحق ٣؛ حيث عقدنا مقارنات شاملة بين الشركات ذات الاستراتيجيات بعيدة النظر والشركات المناظرة لها في جوانب محددة.

 

وجمعنا أيضًا بين عملية المقارنة التحليلية والعمليات الإبداعية، وكان هدفنا أن نتحرر قدر الإمكان من المعتقدات المقيِّدة للفكر الخاصة بكليات إدارة الأعمال والكتابات الشهيرة في الإدارة، وسعينا على وجه التحديد لتحفيز أفكارنا بأفكار ليست لها علاقة مباشرة — ظاهريًّا — بمجال إدارة الأعمال، ودمجناها مع ملاحظات البحث. وعلى هذا الأساس قرأنا بصورة مكثفة في مجالات ليست لها علاقة بإدارة الأعمال كالأحياء (وخاصة نظرية التطور) وعلم الوراثة وعلم النفس وعلم النفس الاجتماعي وعلم الاجتماع والفلسفة والعلوم السياسية والتاريخ وعلم الإنسان الثقافي.

 

الخطوة السادسة: الاختبار الميداني والتطبيق العملي

 

على مدار المشروع البحثي حرصنا باستمرار على اختبار النتائج والمفاهيم وتجربتها في الواقع عن طريق المهام الاستشارية والمسئوليات المنوطة بمجالس إدارة الشركات، فقد طبقنا وقت تأليف هذا الكتاب أطر العمل والأدوات المرتكزة على البحث بأنفسنا في ما يزيد عن ثلاثين منظمة منفصلة، بدءًا من شركات صغيرة ذات إيرادات تقل عن ١٠ ملايين دولار أمريكي وانتهاء بالشركات المدرجة في قائمة مجلة فورتشن السنوية لأكبر ٥٠٠ شركة في الولايات المتحدة التي تصل إيراداتها إلى مليارات الدولارات، وذلك على نطاق واسع من المجالات التي تشمل أجهزة الكمبيوتر والرعاية الصحية والمستحضرات الدوائية والتكنولوجيا الحيوية والتعمير والبيع بالتجزئة وإرسال البضائع بواسطة البريد والسلع الرياضية والأجهزة الإلكترونية وأشباه الموصلات وبرامج الكمبيوتر وسلاسل دور العرض السينمائي والهندسة البيئية والكيماويات والخدمات المصرفية التجارية. ونظرًا لعملنا عادة مع الإدارة العليا للشركات بناء على طلب مباشر من الرؤساء التنفيذيين للشركات، تمكنا من عرض أفكارنا على أكثر رجال الأعمال المعروف عنهم نفاذ البصيرة والعملية والإصرار والحزم.

 

وكان من نتائج «اختبار العمل تحت الضغط» توفير حلقة قيّمة لاستطلاع الآراء ساعدتنا باستمرار في تطوير مفاهيمنا أثناء تقدمنا في البحث. على سبيل المثال تساءل أحد الرؤساء التنفيذيين أثناء جلسة عمل بإحدى شركات الأدوية قائلًا: «هل هناك قيم جوهرية «صائبة» وأخرى «خاطئة»؟ بعبارة أخرى هل ما يهم في القيم الجوهرية هو «محتواها» أم «مصداقيتها وثباتها» بصرف النظر عن المحتوى؟ هل هناك مجموعة فرعية من القيم الجوهرية تطبقها جميع الشركات ذات الاستراتيجيات بعيدة النظر؟» قررنا حينئذ الرجوع إلى بيانات البحث للإجابة بأسلوب منهجي على هذه الأسئلة (راجع الفصل الثالث)، وبهذا نكون قد أتممنا الحلقة من البحث إلى الممارسة العملية ثم العودة مرة أخرى (راجع الشكل ١-أ)، وقد تكررت هذه الحلقة مرات عديدة على نطاق واسع من الموضوعات طوال السنوات الخمس التي استغرقها المشروع البحثي، وأسهمت إسهامًا عظيمًا في إعداد هذا الكتاب.

 

دع الدلائل تتحدث

 

تعاني جميع المشروعات البحثية في مجال العلوم الاجتماعية الكثير من أوجه القصور والصعوبات المتأصلة، وليس مشروعنا استثناء، فمن جهة لا يمكننا إجراء تجارب محكمة قابلة للتكرار نثبت فيها المتغيرات كافة ما عدا متغيرًا جوهريًّا واحدًا ثم نقيِّم النتائج المتنوعة التي نحصل عليها بتعديل هذا المتغير. ليتنا كنا نستطيع إجراء البحث والتجارب بوضع الشركات في طبق بتري (طبق يُستخدم في زراعة البكتريا)، لكن هذا ضرب من المستحيل، لذا كان علينا الاعتماد على الحقائق والوقائع المثبتة تاريخيًّا وتحقيق أقصى استفادة منها. أدرجنا في المحلق رقم ١ بنهاية الكتاب بعض المخاوف — وردودنا عليها — التي قد تساور القارئ الناقد حول المنهجية المتبعة في هذا البحث.

 


 

وحتى مع وضع هذه المخاوف في الاعتبار، فإن الكم الهائل من المعلومات التي فحصناها — إلى جانب حلقة استطلاع الآراء المستمرة من البحث إلى النظرية إلى الممارسة العملية — يمنحنا الكثير من الثقة في مدى منطقية نتائجنا، والأهم من ذلك أنه يسهم في تطوير المنظمات الكبرى. نحن لا ندعي أننا توصلنا إلى الحقيقة المطلقة، فلا يستطيع باحث في العلوم الاجتماعية أن يدعي ذلك، لكننا نؤكد أن هذا البحث قد زودنا برؤية أوضح للشركات وبمعرفة أفضل للأدوات النظرية الخاصة بتأسيس الشركات الكبرى.

 

ننتقل الآن إلى إطلاعكم على نتائج عملنا، ونأمل أن ينهل القارئ من معين هذا الكتاب؛ لأن تاريخ الشركات المذكورة فيه يقدم لنا الكثير، لكننا نتمنى في الوقت ذاته أن تفكر أثناء مطالعة الكتاب بطريقة نقدية وموضوعية؛ فإن قراءة الكتاب بفكر عميق ورفض النتائج التي توصلنا إليها في النهاية أفضل بكثير من قبولها كأمر مسلم به دون تساؤلات. دع الدلائل تتحدث عن نفسها على أن تكون أنت الحكم في النهاية.

عدد مرات المشاهدة ( 9634)   عدد مرات الطباعة ( 3364 )

 حفظ المقال اطبع التوصيف
البرامج التدريبية المرتبطة بالمصدر
رقم البرنامجالبرنامجعدد الأيامعدد الساعاتمشاهدة
101مهارات التميز الدراسي55
حقائب تدريبية تعتمد على هذا المرجع والمصدر في إعدادها ننصح بالإطلاع عليها
مصادر ومراجع ينصح بالاطلاع  عليها  وهي ذات علاقة
مقالات ذات صلة بالمصدر والمرجع ننصح بقرائتها
محتويات بالمكتبة الالكترونية ذات صلة بالمصدر والمرجع
أخبار ذات صلة بالمصادر ينصح بقرائتها
التعليقات
تفضل بالتعليق
الاسم  
البريد الالكتروني    
العنوان  
مذكرة تفصيلية  
 إدارة  المكتبة الالكترونية
 
الدورات التدريبية القادمة
 
خدمات المكتبة الالكترونية
Skip Navigation Links
 
خـــدمــــاتــنــا الالكترونية
Skip Navigation Links
 

أقسام المكتبة الرئيسية
 


أريد أن أبيع مؤلفاتي
  إذا أردت نشر أو بيع كتاب أو رسالة أو بحث أو أطروحة في الموقع اضغط هنا
 
من المؤلفين
 
من الناشرين
دار الشروق للنشر والتوزيع
 
برامج تهمك
 
خلاصة المحتويات



احدث الاضاءات